يبدو أن مشروع الدفاع الأوروبي الكبير يواجه تحديات كبيرة وسط توترات سياسية وصناعية بين فرنسا وألمانيا، في وقت تتزايد فيه المخاطر الأمنية على حدود أوروبا، مما يهدد أحد أهم المشاريع العسكرية في القرن الحادي والعشرين.

بدأت القصة في عام 2017 عندما أطلق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل مشروع نظام القتال الجوي المستقبلي (FCAS) بتكلفة تقدر بنحو 100 مليار يورو، وكان الهدف هو تصميم طائرة مقاتلة من الجيل السادس تكون سريعة وفتاكة، مع استخدام طائرات مسيرة هجومية ذاتية القيادة ضمن “سحابة قتالية” رقمية تربط جميع الأنظمة في ساحة المعركة.

لكن بعد مرور ما يقرب من عشر سنوات على بدء المشروع، يبدو أن الأمور تتجه نحو “طلاق قبيح” بين الشريكين الرئيسيين، مما يعكس أزمة أعمق تضرب المحور الفرنسي–الألماني الذي يعد محرك الاتحاد الأوروبي.

تصعيد ألماني وتحذير من “عواقب”

في الأسبوع الماضي، اضطر ماكرون للدفاع عن المشروع بعد مقال انتقادي نشرته أكبر نقابة صناعية ألمانية، حيث كتب نائب رئيس النقابة يورغن كيرنر مع رئيسة اتحاد صناعات الطيران والفضاء الألمانية ماري كريستين فون هان، أن المشروع كان مخططاً له بين شركاء متساوين، وأن من يطالبون الآن بالسيطرة المطلقة يجب أن يتوقعوا عواقب لذلك.

كما لوح الكاتبان بإمكانية أن تطور برلين مقاتلة ألمانية مستقلة تمامًا، مما يعكس تزايد الاستياء الألماني خاصة مع استمرار الخلافات بين شركتي داسو الفرنسية وإيرباص الألمانية، الشريكتين الرئيسيتين في البرنامج.

خلافات حول السيطرة والمواصفات

تقول الخبيرة الأمنية أولريكا فرانكه إن جوهر الأزمة يعود إلى اختلاف الرؤى، ففرنسا تريد طائرة أخف قادرة على حمل أسلحة نووية، بينما يفضل الألمان مدى أطول وقدرات مختلفة، وقد تم تأجيل الحسم عدة مرات لكن المشكلة لا تزال قائمة.

من جهة أخرى، ترى شركة داسو الفرنسية أن مساهمة ألمانيا يجب أن تكون مالية بالأساس، حيث قال رئيسها التنفيذي إريك ترابييه إنهم طوروا مقاتلة “رافال” بمفردهم، بينما لم تنتج ألمانيا طائرة مقاتلة مستقلة منذ الحرب العالمية الثانية، كما أكدت وزيرة الدفاع الفرنسية كاثرين فوتران أن ألمانيا لا تملك القدرة الحالية على بناء طائرة.

في المقابل، تسود مخاوف في باريس من أن إيرباص تسعى لاكتساب أسرار تقنية من داسو، حيث نقل تقرير عن مصدر فرنسي أن الحدود أصبحت غير واضحة وهناك محاولات لاختراق نفوذ الطرف الآخر.

برلين في مرحلة تحول استراتيجي

في ألمانيا، يُنظر إلى هذا النقد على أنه مجحف، حيث اعترفت برلين لعقود بدورها الثانوي في المجال الأمني، لكنها أعلنت بعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 عن “تحول زمني” في سياستها الدفاعية.

المستشار السابق أولاف شولتس أطلق خطة ضخمة لتعزيز الإنفاق العسكري، بينما ذهب المستشار الحالي فريدريش ميرز إلى أبعد من ذلك بتخفيف القيود على الدين العام والموافقة على إنشاء صندوق أمني أوروبي واسع النطاق، مما يعكس طموحًا ألمانيًا أكبر في قيادة الصناعة الدفاعية.

ماكرون يتمسك بالمشروع

رغم كل هذه التحديات، أكد ماكرون في مقابلة مع صحيفة لوموند أن المشروع لا يزال قائمًا، مشيرًا إلى أنه مشروع جيد ولم يسمع من الجانب الألماني ما يدل على خلاف ذلك، ومن جانبه أكد باتريك فايوت، الرئيس السابق للوكالة الوطنية الفرنسية للأمن السيبراني، على الجهود المبذولة لإنقاذ البرنامج.

بديل بريطاني يلوح في الأفق

وسط هذه الخلافات، بدأت بعض الأصوات في ألمانيا تنظر إلى مشروع بديل وهو برنامج القتال الجوي العالمي المعروف باسم “العاصفة”، الذي تقوده بريطانيا واليابان وإيطاليا، والذي أُطلق عام 2022 ومن المقرر أن تدخل طائرته الخدمة بحلول عام 2035، أي قبل خمس سنوات على الأقل من الموعد المتوقع لـ FCAS في 2040.

كما وقع ميرز اتفاقية تعاون أمني شاملة مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، مما أثار تساؤلات حول مستقبل الشراكة الدفاعية الفرنسية–الألمانية، ومع ذلك ترى أولريكا فرانكه أن الإيطاليين لا يستطيعون استبدال هذا التعاون.

مستقبل مجهول لمشروع القرن الأوروبي

تشير التقارير إلى أن مشروع FCAS يقف عند مفترق طرق حاسم، إما أن يصبح حجر الزاوية لاستقلالية أوروبا الدفاعية أو يتحول إلى مثال على عجزها في توحيد رؤيتها الاستراتيجية.

ومع وجود 100 مليار يورو على المحك، فإن نتيجة الصراع بين باريس وبرلين لن تحدد فقط مصير مقاتلة الجيل السادس، بل قد تعيد تشكيل التوازن الصناعي والعسكري في أوروبا لعقود قادمة.