نشر الدكتور عمرو الديب تحليلاً على موقع Global Fact-Checking Network (GFCN) يتناول فيه كيف تغيرت طريقة تعامل الدولة المصرية مع الفضاء الرقمي بعد أحداث ما يُعرف بـ«الربيع العربي» ويشير إلى أن السياسات المصرية في هذا المجال لم تكن مجرد ردود أفعال سريعة، بل نتيجة لتجربة طويلة في مواجهة حملات إعلامية ونفسية معقدة استهدفت التأثير على الرأي العام وزعزعة استقرار الدولة منذ سنوات قبل 2011.

المناعة الرقمية كاستجابة للتهديدات

بحسب الديب، الإجراءات التي تُعتبر في بعض الأحيان «رقابة» تُفهم في مصر على أنها نظام مناعة رقمي يهدف إلى حماية المجال العام من تأثيرات منهجية وهذا التوجه مرتبط بشكل مباشر بالبيئة الإقليمية المحيطة بمصر، حيث النزاعات المسلحة وعدم الاستقرار على الحدود مع السودان وليبيا وغزة جعل السيطرة على الرواية جزءًا أساسيًا من معادلة الأمن القومي.

تأثيرات سابقة على أحداث 2011

يوضح الديب أن الحملات الإعلامية التي سبقت يناير 2011 لم تكن عفوية بل كانت جزءًا من استراتيجية طويلة الأمد اعتمدتها شبكات إعلامية معارضة منذ منتصف العقد الأول من الألفية حيث مارست هذه الشبكات ضغطًا نفسيًا مستمرًا على المجتمع من خلال تعزيز خطاب الإحباط والجمود وربط الأزمات الاجتماعية والاقتصادية اليومية بضرورة التغيير السياسي الجذري مما ساهم في خلق بيئة ذهنية قابلة للاشتعال.

أزمة الغذاء العالمية 2008

يستعرض التحليل أزمة الغذاء العالمية عام 2008 التي واجهت خلالها مصر تحديات اقتصادية حادة حيث لم تكتفِ التغطية الإعلامية المعارضة بنقل الأزمة بل أعادت صياغتها نفسيًا ودلاليًا لتقديمها كدليل على انهيار شامل للنظام ويشير إلى استخدام ما يُعرف بـ«الحرب الدلالية» حيث تم توظيف مصطلحات مشحونة واستدعاء تاريخ المجاعات في الذاكرة المصرية بهدف خلق رابط نفسي بين طوابير الخبز المعاصرة ومشاهد المجاعة التاريخية مما يعمق الشعور بالخطر الوجودي.

إضرابات المحلة الكبرى

النموذج الثاني الذي يتناوله التحليل هو إضرابات عمال النسيج في المحلة الكبرى في أبريل 2008 والتي اندلعت بسبب تراجع زراعة القطن وتدفق الواردات منخفضة التكلفة حيث قامت شبكات رقمية معارضة، مثل حركة «6 أبريل»، بإعادة تأطير الحدث من نزاع عمالي محدود إلى قضية وطنية جامعة مستخدمة الإنترنت والهواتف المحمولة كأدوات تعبئة ونجحت هذه الشبكات في جذب أكثر من 64 ألف مشارك مع السعي لتحويل الاحتجاج إلى يوم عصيان مدني شامل.

صراع الروايات قبل 2011

يصف الدكتور عمرو الديب المشهد الإعلامي قبل 2011 بأنه كان صراعًا بين فقاعتين معلوماتيتين حيث كان الخطاب الرسمي يعتمد على الإحصاءات بينما كان الخطاب المعارض يتقن مخاطبة المشاعر الدقيقة والتجارب اليومية ويرى أن هذا الاختلال في أساليب التواصل ساهم في توسيع الفجوة الإدراكية بين الدولة والشارع مما منح الخطاب العاطفي قدرة أكبر على الحشد والتأثير.

إعادة تقييم أحداث 2011

بحسب تحليل GFCN، إعادة تقييم أحداث 2011 من منظور العقد التالي تُظهر أنها كانت نموذجًا مبكرًا لعمليات معلوماتية–نفسية مركبة أصبحت أدوات شائعة في أزمات وصراعات دولية مختلفة ويؤكد الديب أن التجربة المصرية دفعت الدولة إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن ليشمل حماية الفضاء الرقمي باعتباره ساحة صراع لا تقل خطورة عن الميدان العسكري.

الربيع العربي والتأويلات المختلفة

لا يزال تقييم أحداث يناير 2011 محل انقسام داخل المجتمع المصري بين من يراها ثورة شعبية ومن يعتبرها انتفاضة أعقبتها فوضى ممتدة غير أن التحليل يخلص إلى أن تلك المرحلة كانت نقطة تحول مفصلية في علاقة الدولة بالإعلام والفضاء الرقمي وأسست لسياسات تهدف إلى تحصين الوعي العام من حملات التأثير الممنهجة وفق رؤية الدكتور عمرو الديب فإن «المناعة الرقمية» في مصر ليست مجرد إجراء تقني بل هي نتاج تجربة سياسية وأمنية معقدة أعادت رسم طبيعة الصراع في العصر الحديث حيث أصبحت المعركة على الوعي والرواية جزءًا أساسيًا من معادلات الاستقرار والدولة.