يتجه المستثمرون في السوق الأمريكية هذه الأيام نحو الشركات الأصغر والأقل تكلفة، وذلك في ظل إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بالأصول ذات التقلبات العالية، خصوصًا بعد أن شهدت الأسواق موجات من التذبذب العنيف الذي أدى إلى خسائر كبيرة في بعض القطاعات الاستثمارية.

حالة الحذر في الأسواق

حالة من الحذر تسود القطاعات التي كانت مستفيدة من ارتفاع الأسواق في السنوات الأخيرة، خاصة مع انتقال رؤوس الأموال إلى مجالات أخرى، حيث سجل مؤشر “داو جونز” مستوى قياسيًا جديدًا في نهاية الأسبوع الماضي رغم خسارة أسهم شركات البرمجيات نحو تريليون دولار من قيمتها السوقية في أسبوع واحد وفقًا لما ذكرته منصة “ماركت سكرينر” الإخبارية.

استراتيجي أسواق المال تيم موراي أشار إلى أن موجة البيع التي قادت صعود الأسواق قد توقفت مؤقتًا، لكنها تزامنت مع عمليات شراء قوية لأسهم مختلفة تمامًا، موضحًا أن المستثمرين يعيدون النظر في المخاطر المرتبطة بالشركات الكبرى في مجال التكنولوجيا التي تدعم تقنيات الذكاء الاصطناعي مثل “أمازون” و”مايكروسوفت” و”ألفابت”، كما أن هناك مخاوف من تراجع نماذج الأعمال لبعض الشركات التي قد تتأثر بتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي، حيث يتجه المستثمرون حاليًا لشراء الشركات الأرخص سعراً أحيانًا دون تمييز واضح في محاولة لإعادة توازن محافظهم الاستثمارية.

اتجاهات جديدة في السوق

على الرغم من ارتفاع مؤشر “إس آند بي 500” بنسبة 1.78% ومؤشر “ناسداك 100” بنحو 2% خلال تعاملات الجمعة، فإن مؤشر “راسل 2000” للشركات الصغيرة تفوق عليهما مسجلاً قفزة بلغت 3.5%، بينما تراجعت أسهم بعض شركات التكنولوجيا الكبرى، وعلى رأسها “أمازون”، بسبب مخاوف المستثمرين من قدرة الشركة على تحقيق عوائد من خطتها الضخمة لاستثمار نحو 200 مليار دولار في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

خلال الأسابيع الأخيرة، راهن المستثمرون على اتساع نطاق الصعود في سوق الأسهم الأمريكية بعد سنوات من هيمنة شركات التكنولوجيا العملاقة، مع توجه الاهتمام إلى قطاعات الصناعة والرعاية الصحية والشركات الصغيرة، واستراتيجي الاستثمار العالمي سيميون هايمان يرى أن هذا الاتجاه مرشح للاستمرار بعد فترة طويلة من تهميش القطاعات غير المرتبطة بالتكنولوجيا الكبرى.

هذا التحول يستند إلى إعادة تقييم المخاطر المرتبطة ببعض الأصول التي شهدت ارتفاعات قوية في الفترة الماضية، مثل المعادن النفيسة وأسهم التكنولوجيا والأصول المضاربية كعملة “بيتكوين”، التي تراجعت لفترة وجيزة إلى أدنى مستوى لها خلال 16 شهرًا قبل أن تعاود الصعود قرب مستوى 70 ألف دولار، لكنها لا تزال أقل بكثير من ذروتها البالغة 126 ألف دولار المسجلة في أكتوبر الماضي.

التوزيع الاستثماري في ظل التقلبات

مستشار الثروات جيم كارول أشار إلى أن المستثمرين يسعون إلى الابتعاد عن الصفقات المزدحمة وإعادة توزيع استثماراتهم مع تزايد التقلبات اليومية الحادة في الأسواق، ورغم الارتفاعات الأخيرة في الأسهم، حذر متعاملون من المبالغة في تفسير موجة الصعود، مؤكدين أن الشكوك بشأن المخاطر لا تزال قائمة، خاصة فيما يتعلق بقدرة شركات التكنولوجيا الكبرى على تحقيق أرباح من استثماراتها الضخمة في الذكاء الاصطناعي وتأثير هذه الاستثمارات على القطاعات التقليدية.

تحركات الأسواق تعكس انقسامًا واضحًا بين الأسهم التي قادت الصعود خلال السنوات الماضية وأسهم جديدة، حيث بدأ المستثمرون يراهنون عليها لتحقيق عوائد مستقبلية، واستراتيجي الأسواق الأمريكية سكوت كرونرت أشار إلى أن الأموال بدأت تتحول بهدوء نحو قطاعات الطاقة والمواد الأساسية والسلع الاستهلاكية والصناعة، التي سجلت مكاسب مزدوجة الرقم منذ بداية العام، مقارنة بارتفاع محدود لمؤشر “إس آند بي 500” بنحو 1.3% فقط، مضيفًا أن الأسواق كانت تتوقع اتساع نطاق الصعود، لكن ليس بهذه الصورة المضطربة والمتقلبة التي تشهدها حاليًا.