ذكرت مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية أنه مع تصاعد أزمة جرينلاند في الفترة التي سبقت منتدى دافوس، بدأ الأوروبيون يبحثون عن وسائل يمكن أن تستخدم كأدوات ضغط على إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حيث أشار جورج سارافيلوس، رئيس أبحاث أسواق الصرف الأجنبي في دويتشه بنك، إلى أن أوروبا تملك جرينلاند بالإضافة إلى حيازات كبيرة من سندات الخزانة الأمريكية مما يعني أن الاتحاد الأوروبي قد يقوم بتصعيد التوترات عبر ما أسماه “تسليح رأس المال” من خلال تقليل حيازاته من أدوات الدين الأمريكية.

رغم أن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أكد أن دويتشه بنك لم يعد يدعم تقرير سارافيلوس، إلا أن الفكرة لم تكن حصرية عليه حيث قامت بعض صناديق التقاعد الأوروبية بتقليص حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية بشكل ملحوظ مما أثر على لهجة الولايات المتحدة تجاه أوروبا وجعلها أقل عدوانية.

لكن تبقى التساؤلات قائمة حول مدى تأثير هذه التحركات الأوروبية على البيت الأبيض وما إذا كانت أوروبا تستطيع الاستفادة من “الاعتماد والمصالح المتبادلة” في خوض حرب مالية ضد الولايات المتحدة وما هي العقبات التي قد تواجهها.

تشير “فورين بوليسي” إلى أن التدفقات المالية والسياسات المالية تعتبر أدوات ضغط فعالة، حيث أسهمت حركة الأموال في الضغط على الولايات المتحدة العام الماضي فعلى سبيل المثال بعد إعلان ترامب عن فرض تعريفات جمركية واسعة، اضطر لتعديل موقفه جزئيا بعد أن لوحت أوروبا باستخدام سندات الخزانة، لكن هذا التلويح لم يكن مخططا له كما يبدو وسرعان ما تلاشى حيث أن المخاوف من التضخم والاضطرابات السياسية كانت هي المحفزات الرئيسية لإعادة توزيع الاستثمارات بعيدا عن أمريكا.

تساءل مراقبون عما إذا كان بإمكان أوروبا القيام بالمزيد في ظل اعتمادها المتبادل مع الولايات المتحدة، مما يجعل فكرة “التسليح المالي” بعيدة المنال.

مع ذلك، هناك إمكانيات لاستخدام التسليح المالي كما تشير المجلة، فالتاريخ يشهد على أن الحكومات الأوروبية استخدمت التمويل كأداة ضغط لخدمة مصالحها في الماضي ففي القرن التاسع عشر، استخدمت فرنسا وألمانيا التمويل كوسيلة لتحقيق أهدافهما حيث حظر المستشار الألماني أوتو فون بسمارك على بنك الرايخ قبول الأوراق المالية الروسية كضمان.

تعتبر أسواق الديون السيادية، وخاصة سندات الخزانة الأمريكية، الساحة الرئيسية لهذا النوع من التسليح حيث تشكل هذه السندات العمود الفقري للتمويل الدولي، مما يسهل قدرة واشنطن على الاقتراض، لكنها في الوقت نفسه تجعلها هدفًا حساسًا للضغط الأوروبي.

رغم أن جزءًا كبيرًا من ملكية الأوروبيين لهذه السندات يعود للقطاع الخاص مما يجعل السيطرة عليها صعبة، إلا أن المجلة ترى أنه إذا تمكن بيروقراطيون أذكياء في البنك المركزي الأوروبي من إيجاد الثغرات المناسبة، فإن الصناديق الأوروبية قد تتحرك لاستخدام سندات الخزانة كأداة ضغط فعالة.

يمكن لأوروبا تعزيز موقفها عبر التخطيط المشترك وخلق بديل واضح لسوق الخزانة الأمريكية، مما يساعد في بناء قاعدة أقوى للتمويل والاستثمار والنمو الاقتصادي.

ورغم كل ذلك، ترى “فورين بوليسي” أنه من الأفضل العودة إلى التفاوض ودعم نظام دولي قائم على القواعد بدلاً من الانزلاق إلى فوضى تنافس دولي قد تكون عواقبه وخيمة على جميع الأطراف.