الغابات تعتبر من أهم النظم البيئية على كوكبنا، حيث أنها تمثل شريان الحياة وتحتوي على ملايين الأنواع، كما أنها تحمل رمزية ثقافية مهمة للمجتمعات التي عاشت بجوارها لسنوات طويلة، وهي تلعب دورًا كبيرًا في تحقيق الأمن الغذائي وتوفير الموارد المتجددة والطاقة، بالإضافة إلى تنظيم دورات الكربون والمياه، وتساعد في تقليل مخاطر الجفاف والتصحر وتآكل التربة والانهيارات الأرضية والفيضانات.

ومع ذلك، فإن هذه الغابات تواجه ضغوطًا متزايدة بسبب تغير المناخ وعمليات إزالة الغابات والحرائق، وهذا واضح من المساحات الكبيرة التي دمرت في الأمازون وسفوح التلال الجرداء في إندونيسيا، بالإضافة إلى تراجع الغطاء الحرجي في أفريقيا، حيث يخسر العالم تقريبًا 11 مليون هكتار من الغابات سنويًا، ويعود ذلك بشكل كبير إلى الزراعة وقطع الأشجار والتوسع العمراني.

تكنولوجيا جديدة لإنقاذ الغابات

في ظل هذه التحديات، بدأت تظهر تقنيات جديدة تساعد في رصد الغابات وإعادة تأهيلها، حيث تستخدم التكنولوجيا لإنقاذ كوكبنا، من الطائرات المسيرة التي تنشر البذور في الغابات المدمرة إلى الذكاء الاصطناعي الذي يتنبأ بالشجيرات التي ستنجو، والأقمار الصناعية التي تراقب عمليات قطع الأشجار غير القانونية لحظة بلحظة، مما يجعل التكنولوجيا شريكًا غير متوقع في جهود إعادة إحياء الغابات.

حراس الغابات الرقميون

تحتل الطائرات المسيرة مكانة بارزة في هذا التحول، حيث تُعرف باسم “حراس الغابات الرقميين” بسبب قدرتها على جمع بيانات دقيقة، ودعم عملية اتخاذ القرار، وتسريع جهود إعادة التشجير بشكل غير مسبوق. تعتمد طرق الرصد التقليدية على المسوحات الأرضية وصور الأقمار الصناعية، وهو ما يتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين وغالبًا ما تكون دقتها محدودة.

الطائرات المسيرة لإنقاذ كوكبنا

تسد الطائرات المسيرة هذه الفجوة من خلال توفير بيانات دقيقة وفورية من ارتفاعات منخفضة، بفضل الكاميرات المدمجة، ويعتبر التحريج الآلي من بين أكثر التطبيقات الواعدة للطائرات المسيرة في مجال الغابات الرقمية، حيث يمكن لهذه الطائرات المتخصصة نشر كبسولات البذور التي تحتوي على مغذيات ومواد واقية، مما يسهل الزراعة السريعة في المناطق التي يصعب الوصول إليها أو المتدهورة. بالمقارنة مع الزراعة اليدوية، فإن إعادة التحريج بمساعدة الطائرات المسيرة يمكن أن تغطي مساحات كبيرة في وقت أقل بكثير، مما يقلل من تكاليف العمالة ويحد من تعرض الأفراد للمخاطر.

تساعد الزراعة باستخدام الطائرات المسيرة في التعافي بعد حرائق الغابات، وتستعيد التنوع البيولوجي عندما يتم دمجها مع التخطيط البيئي والمعرفة المحلية، كما أن الطائرات المسيرة تساهم في تحسين دقة تقييم مخزون الكربون من خلال جمع بيانات تفصيلية حول كثافة الأشجار وأنواعها ومعدلات نموها. تستخدم شركة فلاش فورست الكندية الطائرات المسيرة لزراعة الأشجار في المناطق المتضررة بشدة من حرائق الغابات، وتهدف إلى استعادة النظم البيئية بسرعة وعلى نطاق واسع، مع أهداف طموحة مثل زراعة مليار شجرة بحلول عام 2028 باستخدام تقنية نشر البذور بالطائرات المسيرة.

أيضًا، تستخدم شركة ديندرا سيستيمز طائرات بدون طيار موجهة بالذكاء الاصطناعي لاستصلاح الأراضي المتدهورة وإعادة تشجير المناظر الطبيعية في عدة قارات، بما في ذلك أستراليا والشرق الأوسط، وتستطيع أساطيل طائراتها زراعة مئات من كبسولات البذور في الدقيقة في المناطق المستهدفة.

الذكاء الاصطناعي: التنبؤ بمستقبل الغابات

غالبًا ما تعتمد جهود إعادة التشجير التقليدية على البيانات التاريخية والمسوحات اليدوية والتخطيط قصير الأجل، لكن الذكاء الاصطناعي يغير هذا النهج من التفاعلي إلى تنبؤي، حيث يمكنه تحليل مجموعات بيانات ضخمة مثل صور الأقمار الصناعية وبيانات الطائرات المسيرة وتكوين التربة ونماذج المناخ، مما يمكنه من التنبؤ بكيفية تطور الغابات على مدى عقود.

تستطيع نماذج التعلم الآلي التنبؤ بمعدلات بقاء الأشجار وأنماط نموها ومدى تأثرها بالجفاف والآفات وحرائق الغابات، مما يمكن صانعي القرار من تصميم مشاريع إعادة تشجير تتكيف مع الظروف المناخية المستقبلية، كما أن تحسين اختيار الأنواع يعد من أهم إسهامات الذكاء الاصطناعي، حيث يمكنه التوصية بأنواع الأشجار الأنسب لمواقع معينة بناءً على جودة التربة واتجاهات درجات الحرارة وتوافر المياه.

في المناطق التي تعاني من ارتفاع درجات الحرارة والجفاف، يساعد الذكاء الاصطناعي في تحديد الأنواع المحلية المقاومة للمناخ والقادرة على التكيف مع الظروف المتغيرة، كما تراقب خوارزميات الذكاء الاصطناعي مؤشرات كثافة الغطاء الشجري وانتشار الأمراض أو ندرة المياه مما يسمح بالتدخل قبل حدوث التدهور.

تساعد نماذج الذكاء الاصطناعي أيضًا في رصد التغيرات في أنشطة قطع الأشجار غير القانونية ومعدلات نجاح إعادة التحريج، مما يساهم في تقييم قدرة الغابات على امتصاص الكربون لدعم جهود الدول في تقليل بصمتها الكربونية مع إعادة بناء نظم بيئية صحية.

الأقمار الصناعية: عين من الفضاء

أصبحت الأقمار الصناعية أدوات مهمة لفهم وحماية وإعادة تأهيل غابات العالم، حيث تتيح الرصد الفضائي للعلماء وصناع القرار مراقبة الغابات بشكل مستمر وموضوعي وعلى نطاق عالمي، وهو أمر يصعب تحقيقه من خلال المسوحات الأرضية. تساعد بيانات الأقمار الصناعية في التعرف على المناطق التي يتم فيها إزالة الغابات ومدى سرعتها، وما إذا كانت الغابات المستعادة تتعافى بالفعل، وكيف تؤثر حالات الجفاف والحرائق والعواصف على صحة الغابات.

توفر الأقمار الصناعية بيانات مستمرة وواسعة النطاق وقابلة للمقارنة، حتى في المناطق النائية أو المتضررة من النزاعات. مرصد الغابات العالمي، الذي يقوده معهد الموارد العالمية في الولايات المتحدة، يستخدم بيانات الأقمار الصناعية من وكالتي ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية لتوفير تنبيهات شبه فورية حول إزالة الغابات وحرائقها في جميع أنحاء العالم، وتعتمد الحكومات والصحفيون والمنظمات غير الحكومية على هذا المرصد لرصد قطع الأشجار غير القانونية وتغيير استخدام الأراضي ومناطق فقدان الغابات.

في البرازيل، التي تضم حوالي 60% من غابات الأمازون المطيرة، يشغل المعهد الوطني لأبحاث الفضاء أنظمة أقمار صناعية مثل PRODES وDETER لرصد إزالة الغابات في منطقة الأمازون، وتوفر هذه الأنظمة تنبيهات متكررة تدعم إنفاذ القانون والسياسات البيئية، مما يجعل البرازيل من أوائل الدول التي تبنت إدارة الغابات القائمة على الأقمار الصناعية، كما يستخدم برنامج كوبرنيكوس التابع للاتحاد الأوروبي لرصد الحرائق وأضرار العواصف وإعادة نمو الغابات في جميع أنحاء أوروبا والعالم.