أكد مجموعة من الخبراء والدبلوماسيين أن موضوع الأمن المائي في حوض نهر النيل يمكن أن يكون فرصة لتعزيز التعاون بين دول المنطقة وتحقيق التنمية المشتركة بدلاً من أن يكون سببًا للصراع بينهم، وأوضحوا أن الإدارة المستدامة للموارد المائية، التي تعتمد على الشراكة وتكامل المصالح، هي الطريق الأكثر واقعية لحماية حقوق الشعوب وضمان استقرار المنطقة.
جاءت هذه التصريحات خلال ندوة بعنوان «مفهوم الأمن المائي.. رؤية جديدة للتكامل واستدامة إدارة الموارد في حوض النيل» التي أُقيمت في “بلازا 1” ضمن فعاليات الدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026، وشارك فيها السفير محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، والدكتور أيمن عبد الوهاب، مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، والدكتور عمرو الحسيني النادي، خبير الهندسة البيئية والاستدامة، وأدارتها الدكتورة نهى بكر، أستاذ العلوم السياسية وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان.
أزمات المياه لا يمكن حلها بمنطق الصدام
في كلمته، أشار السفير محمد حجازي إلى أن أزمات المياه لا يمكن التعامل معها من خلال الصدام أو الرجوع إلى خرائط وحدود استعمارية لم تعد قائمة، ودعا إلى ضرورة بناء نظام تعاون إقليمي شامل يشعر فيه الجميع بأنهم شركاء في الموارد والمصالح، وأوضح أن هذا التعاون يمكن أن يفتح آفاقًا للتنمية المشتركة، مثل الربط بين حوض النيل والبحر المتوسط، وإنشاء مناطق صناعية حرة، وتبادل الطاقة والمنتجات، مما يعزز الاستقرار في المنطقة.
كما أضاف حجازي أن مفهوم الأمن المائي يجب أن يُفهم في سياق الاعتماد المتبادل بين الدول، وأكد أن الدبلوماسية الفاعلة لا تعني التخلي عن أدوات الضغط، بل تعني امتلاك أوراق تأثير سياسية واقتصادية وقانونية قوية.
وأشار أيضًا إلى الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر، كونه أحد شرايين الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية، وما يحتويه من إمكانيات لتحويله إلى ممر تنموي يربط بين الموانئ والطاقة والاستثمار.
من جانبه، أوضح الدكتور أيمن عبد الوهاب أن أزمة المياه ليست مجرد أزمة ندرة موارد، بل هي أزمة إدارة وإدراك ورؤية سياسية، مشيرًا إلى أن دول الحوض لا تستفيد إلا من أقل من 10% من الموارد المائية المتاحة، وأضاف أن التركيز على حصص المياه فقط يغفل فرصًا تنموية كبيرة، مثل مشروعات تنمية المستنقعات التي يمكن أن توفر كميات ضخمة من المياه سنويًا.
توظيف أدوات دبلوماسية وسياسية واقتصادية متكاملة
وأشار عبد الوهاب إلى أن التحدي الرئيسي لمصر هو منع الإضرار بمصالحها المائية، من خلال استخدام أدوات دبلوماسية وسياسية واقتصادية متكاملة وتوسيع نطاق التحالفات والشراكات الإقليمية.
بدوره، أكد الدكتور عمرو الحسيني النادي أن الأمن المائي قضية وجودية ترتبط بشكل وثيق بالأمن الغذائي وأمن الطاقة، مشددًا على أهمية رفع الوعي البيئي وترشيد استهلاك المياه، وأوضح أن السدود ليست المشكلة في حد ذاتها، بل تكمن الإشكالية في كيفية إدارتها وتأثيراتها المحتملة على دول المصب، واقترح التوسع في الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لتلبية الاحتياجات التنموية.
واتفق المشاركون في نهاية الندوة على أن الأمن المائي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بأمن شامل يشمل الغذاء والطاقة والاستقرار السياسي، مؤكدين أن الحلول المستدامة لأزمات المياه في حوض النيل تتطلب التعاون الإقليمي وبناء الشراكات والإدارة الرشيدة للموارد، بما يحقق التنمية ويحفظ حقوق جميع دول الحوض.

