لم يكن جناح وزارة الدفاع في معرض القاهرة الدولي للكتاب مجرد مساحة عرض تقليدية، بل كان منصة معرفية شاملة تروي تاريخ الجيش المصري ودوره الوطني عبر العصور، كما تكشف عن أبعاده العلمية والتنموية والخدمية تجاه المجتمع المدني. هذا الجناح مصمم ليخاطب الوعي قبل العين، حيث يجمع بين الذاكرة العسكرية والبحث والتعليم والتنمية، مما يوفر تجربة متكاملة للزائر.

هذا العام، اختار الجناح الفريق عبد رب النبي حافظ كرمز له، تأكيدًا على تقدير الشخصيات العسكرية التي ساهمت في بناء المؤسسة العسكرية المصرية وتعزيز عقيدتها الوطنية، مما يربط الأجيال الجديدة بسير القادة الذين تركوا بصمة في التاريخ العسكري والحياة العامة.

جناح وزارة الدفاع يظهر في المعرض كمساحة مختلفة، حيث لا تُعرض المعرفة كنص مقروء فقط، بل كذاكرة تُرى وتُلمس. هنا، يتداخل التاريخ مع الحاضر، وتتحول الحكاية العسكرية من مجرد وقائع محفوظة إلى سرد بصري ومعرفي يروي كيف صُنعت الدولة، وكيف ظل الجيش جزءًا أساسيًا من النسيج الوطني عبر القرون.

خلال جولة داخل الجناح، رصدت وكالة أنباء الشرق الأوسط تفاصيله، حيث يشبه كتابًا مفتوحًا بلا غلاف، صفحاته مخطوطات عمرها قرون وصور لمعارك صنعت التاريخ، ومحتواه يمتد من ساحات القتال إلى مشروعات التنمية وخدمات المجتمع. جناح القوات المسلحة مقسم إلى 11 قسمًا رئيسيًا تعكس تنوع أدوار المؤسسة العسكرية وتكاملها، مما يتيح للزائر تتبع مسار تاريخي ومعرفي يبدأ من الجذور وينتهي بالخدمات المعاصرة.

في قسم التراث العسكري، يُعرض مشهد تاريخي نادر من مخطوطات عمرها نحو 800 عام، تم نسخها وعرضها في صور طبق الأصل، إلى جانب إتاحتها في نسخ رقمية، مما يضمن الحفاظ عليها وإتاحتها للباحثين والجمهور، كما يبرز عمق الفكر العسكري المصري عبر العصور.

مسيرة الجيش المصري عبر 7000 عام

قسم التاريخ العسكري يسرد مسيرة الجيش المصري عبر 7000 عام، من خلال مجلد توثيقي يستعرض أبرز المعارك، بدءًا من معركة مجدو عام 1468 قبل الميلاد، مرورًا بالمحطات المفصلية في التاريخ المصري، وصولًا إلى حرب العزة والكرامة في أكتوبر 1973، في عرض يربط بين تطور العقيدة القتالية والتحولات التاريخية الكبرى.

قسم الشخصية المصرية المؤثرة يعرض نماذج لشخصيات كان لها تأثير بارز في الحياة العسكرية والمصرية بشكل عام، مع تسليط الضوء على البطولات الفردية والجماعية، وتقديم كتيبات تعريفية توثق إسهامات هذه الشخصيات في بناء الدولة وحماية الوطن.

أما قسم الإصدارات العسكرية، فيعرض مجلة الدفاع التي صدرت أول مرة في يوليو 1984 وتصدر شهريًا، وقد جرى إتاحتها رقميًا عبر الإنترنت اعتبارًا من نوفمبر 2025، مما يعكس توجه القوات المسلحة نحو توسيع نطاق الوصول المعرفي.

قسم ذاكرة أكتوبر يستعيد مشاهد من حرب أكتوبر المجيدة، من خلال عرض ماكيتات للقطع العسكرية التي شاركت في المعركة، إلى جانب قطع انضمت حديثًا إلى القوات المسلحة، مما يربط بوضوح بين تاريخ النصر وتطور القدرات القتالية الحديثة.

بناء الوعي والمهارات

في إطار الاهتمام ببناء الوعي والمهارات، يضم قسم الإبداع والفنون والتدريب المهني نماذج لماكيتات الدبابات والمدافع والطائرات، بالإضافة إلى ألعاب تعليمية من نوع “البازل”، مما يجمع بين المعرفة والتدريب وتنمية التفكير.

قسم التنمية يركز على المشروعات التنموية التي تشرف عليها القوات المسلحة، سواء من خلال جهاز مشروعات الخدمة الوطنية أو الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، مع عرض طبيعة هذه المشروعات ودورها في دعم التنمية الشاملة.

قسم التأهيل والدورات التعليمية يستعرض الخدمات التي يقدمها معهد اللغات ومعهد النظم التابعان للقوات المسلحة للمدنيين، وتشمل الدورات التدريبية والاختبارات والشهادات المعتمدة، مما يسهم في رفع كفاءة الموارد البشرية.

قسم البحوث والرسائل يعرض الرسائل العلمية التي تمنحها الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، إلى جانب كليات العلوم والإدارة، مع إتاحة هذه البرامج للمدنيين في مجالات بحثية متخصصة.

قسم العلوم السلوكية يتضمن عرض جهاز القياسات النفسية، الذي يُستخدم في اختبارات نفسية إلزامية لفئات بعينها، بهدف تعزيز السلامة والانضباط.

يختتم الجناح بقسم الخدمات المقدمة للقطاع المدني، الذي يستعرض خدمات إدارة النوادي والفنادق التابعة للقوات المسلحة، بما يشمل مواقعها وأنظمة الاشتراكات والتيسيرات والتخفيضات المقدمة للجمهور. كما يضم الجناح شاشات تفاعلية تتيح للزائر التعرف على الخدمات التي تقدمها القوات المسلحة للمدنيين، مما يعكس تطور آليات التواصل مع المجتمع.

هذا المحتوى المتكامل يؤكد أن الثقافة العسكرية ليست مجرد سرد للتاريخ، بل رؤية شاملة للدولة، تجمع بين الذاكرة والمعرفة والتنمية والخدمة العامة.

على هامش جولتها بجناح وزارة الدفاع، رصدت وكالة أنباء الشرق آراء الزوار، الذين أجمعوا على أن الجناح قدم نموذجًا متميزًا من حيث التنظيم وتكامل المحتوى، مشيرين إلى أن وضوح التقسيمات وتعاون القائمين على الجناح سهّل على الجمهور الاطلاع على المادة المعروضة بسلاسة. لفت الزوار إلى أن تنوع الأقسام واستخدام الوسائط التفاعلية وطريقة العرض المبسطة أسهمت في توصيل المعلومات التاريخية والعلمية بدقة، وقدمت صورة شاملة لدور القوات المسلحة الذي لا يقتصر على الدفاع، بل يمتد إلى مجالات التنمية والخدمة المجتمعية.

تسنيم صلاح الدين، المشرفة بإحدى المبادرات التعليمية، أشارت إلى أن جناح وزارة الدفاع يتميز بتنظيم دقيق ومحتوى ثري، يقدم التاريخ العسكري المصري بصورة مبسطة ومنهجية، ويعكس حجم الجهد المبذول في الإعداد والتنسيق، كما أن التعاون داخل الجناح لافت سواء من حيث الإرشاد أو الشرح أو سهولة الحركة بين الأقسام، مما يجعل الزيارة تجربة معرفية متكاملة.

مغربي محمد، الطالب بكلية الزراعة، أوضح أن طريقة العرض داخل جناح القوات المسلحة تجمع بين التوثيق والدقة، مع استخدام وسائل حديثة تساعد على إيصال المعلومة، مما يعكس حرص القائمين على الجناح على التواصل مع مختلف الفئات.

محمود حمدي، الطالب بكلية الهندسة، أبرز أن الشاشات التفاعلية والتنظيم الجيد داخل الجناح سهّلا الوصول إلى المعلومات، وهناك تعاون واضح من العاملين في الرد على الاستفسارات وتوجيه الزوار، مما يضيف قيمة حقيقية لزيارة المعرض.