تمر اليوم الذكرى الرابعة والأربعون لرحيل أحد أعظم أبطال مصر المجهولين، رأفت الهجان الذي خاض معارك عقول خطيرة في إسرائيل وقدم معلومات غيرت مجرى الصراع العربي الإسرائيلي وأسهمت في تحقيق نصر أكتوبر المجيد.

إنه رفعت علي سليمان الجمال، المعروف برأفت الهجان، أشهر جواسيس مصر في إسرائيل، والذي توفي في 30 يناير 1982 في مدينة دارمشتات الألمانية بعد صراع مع سرطان الرئة، تاركًا وراءه ملحمة وطنية لا تزال تُروى حتى اليوم.

من دمياط إلى قلب إسرائيل البدايات الأولى

ولد رفعت الجمال في الأول من يوليو عام 1927 في محافظة دمياط، لأسرة بسيطة حيث كان والده يعمل في تجارة الفحم، بينما كانت والدته تتسم بثقافتها وقدرتها على التحدث بثلاث لغات: العربية والإنجليزية والفرنسية انتقلت الأسرة إلى القاهرة، وهناك التحق بمدرسة التجارة المتوسطة، وبدأت تتشكل ملامح شخصيته متأثرًا بالأحداث العالمية ومعجبًا بالمقاومة البريطانية ضد النازية، مما دفعه لتعلم الإنجليزية بلكنتها البريطانية ثم الفرنسية بلكنتها الباريسية

الطريق إلى المخابرات صدفة صنعت أسطورة

بعد ثورة يوليو 1952، ألقي القبض على رفعت الجمال في ليبيا رغم امتلاكه جواز سفر بريطاني إذ اشتبه أحد الضباط في كونه جاسوسًا يهوديًا، نُقل إلى مصر حيث خضع لتحقيق دقيق كشف عن إجادته العربية بطلاقة، وهنا بدأت المخابرات المصرية في إعادة تشكيل حياته تولى الضابط حسن حسني التحقيق معه، لتبدأ واحدة من أخطر العمليات الاستخباراتية في تاريخ مصر الحديث.

17 عامًا تحت اسم مستعار

في يونيو 1956، وبخطة محكمة، دخل رفعت الجمال إسرائيل متخفيًا تحت اسم ديفيد شارل سمحون، ثم أسس شركة سياحية في تل أبيب، وسرعان ما أصبح شخصية بارزة داخل المجتمع الإسرائيلي على مدار 17 عامًا، نجح في التغلغل داخل دوائر صنع القرار وبنى علاقات وثيقة مع شخصيات سياسية وعسكرية بارزة، من بينها جولدا مائير وموشي ديان.

معلومات غيرت مجرى التاريخ

مد رأفت الهجان جهاز المخابرات المصرية بمعلومات مصيرية، أبرزها التحذير من موعد حرب يونيو 1967 الذي لم يُؤخذ به سياسيًا، والإبلاغ عن تجارب إسرائيل النووية، وكشف تفاصيل دقيقة عن خط بارليف، مما ساهم في الإعداد لعبور أكتوبر 1973 وتحطيم الأسطورة الإسرائيلية.

ما بعد أكتوبر خروج هادئ وبداية حياة جديدة

عقب انتصار أكتوبر 1973، غادر الهجان إسرائيل بهدوء واستقر في ألمانيا تحت اسم جديد هو جاك بيتون، تزوج من الألمانية فالتراود بيتون وأنجب ابنه الوحيد دانيال، وعاش حياة تبدو طبيعية بينما ظل سره الأكبر حبيس صدره حتى أقرب الناس إليه.

الرحيل وكشف السر المدفون

في 30 يناير 1982، توفي رأفت الهجان في ألمانيا، لم تعلم زوجته حقيقته إلا بعد وفاته حين أخبرها أحد أقاربه بأن زوجها لم يكن يهوديًا فرنسيًا كما ادعى بل بطل مصري زرعته المخابرات في قلب إسرائيل انقلبت حياتها رأسا على عقب، مما دفعها إلى البحث عن الحقيقة التي وثقتها لاحقًا في كتاب «18 عامًا خداعا لإسرائيل» الصادر عن مؤسسة الأهرام.

وصية بطل

في مذكراته، التي أوصى بفتحها بعد وفاته بثلاث سنوات، كتب رفعت الجمال وصية مؤثرة ختمها بقوله: «بعد أن بذلت كل ما في وسعي لخدمة الوطن العزيز… والله أكبر والعزة لمصر الحبيبة»

قبر بلا زائرين واسم خالد في الذاكرة

دُفن رأفت الهجان في مقابر مدينة دارمشتات، دون أن يعرف معظم سكانها ولا حتى الجاليات العربية أن أحد أعظم أبطال المخابرات في القرن العشرين يرقد هناك، ورحل الجسد وبقي الاسم محفورًا في ذاكرة الوطن، رمزًا للتضحية والصمت والشجاعة.