رغم الأجواء الروحانية واللقاءات العائلية التي تميز شهر رمضان، إلا أن بعض الأشخاص قد يشعرون بالوحدة بشكل أكبر خلال هذا الشهر مقارنة ببقية السنة فبين موائد الإفطار المليئة والأذان الذي يذكرنا بجو العائلة، قد يجد البعض أنفسهم بمفردهم بسبب الغربة أو فقدان شخص عزيز أو ظروف الحياة المختلفة.
لماذا تتفاقم الوحدة في رمضان؟
يرتبط رمضان في أذهان الكثيرين بالعائلة والزيارات وصلة الرحم لذلك، من يعيش بعيدًا عن أسرته بسبب العمل أو الدراسة أو من فقد أحد أفراد أسرته، قد يشعر بفراغ أكبر في هذا الشهر تحديدًا كما أن وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورًا كبيرًا حيث تمتلئ المنصات بصور التجمعات والعزائم مما يعزز الشعور بالمقارنة ويزيد الإحساس بالعزلة لدى من لا يعيشون نفس الأجواء.
تقول هبه شمندي، أخصائية الصحة النفسية، إن رمضان يحمل شحنة عاطفية عالية لأنه مرتبط بذكريات الطفولة والعائلة وعندما يغيب هذا الإطار الاجتماعي، تظهر مشاعر الفقد أو الوحدة بشكل أقوى من أي وقت آخر في السنة.
الوحدة ليست ضعفًا
تشير شمندي إلى أن الشعور بالوحدة في رمضان لا يعني ضعف الإيمان أو قلة الامتنان بل هو استجابة إنسانية طبيعية لرغبة أساسية في الانتماء وتضيف أن الإنسان بطبعه كائن اجتماعي وعندما تقل الروابط أو التفاعلات، يشعر بنوع من العزلة، خاصة في مواسم ترتبط بالتجمع وتؤكد أن المشكلة ليست في الشعور ذاته، بل في كيفية التعامل معه فالبعض يميل إلى الانسحاب الكامل مما يعمق الإحساس بالعزلة بينما يمكن تحويل هذا الشعور إلى فرصة لإعادة التوازن النفسي.
الفئات الأكثر عرضة للوحدة
بحسب مختصين، هناك فئات قد تكون أكثر عرضة لمشاعر الوحدة في رمضان مثل المغتربين والطلاب الذين يعيشون بعيدًا عن أسرهم وكبار السن الذين يعيشون بمفردهم والأشخاص الذين مروا بتجربة فقد حديثة وأيضًا من يعانون من ضعف شبكة العلاقات الاجتماعية في هذه الحالات يصبح الدعم النفسي والاجتماعي أكثر أهمية.
كيف نتغلب على الوحدة في رمضان؟
قدمت شمندي مجموعة من الخطوات العملية للتعامل مع مشاعر الوحدة خلال الشهر الكريم أولًا، يجب الاعتراف بالمشاعر حيث أن تجاهلها أو إنكارها لا يزيلها بل قد يزيدها حدة من المهم الاعتراف بالإحساس بالحزن أو الفراغ دون جلد الذات.
ثانيًا، المبادرة بالتواصل بدل انتظار دعوة يمكن الاتصال بصديق أو قريب أو ترتيب إفطار بسيط مشترك حتى لو كان عبر مكالمة فيديو فالتواصل، حتى لو كان افتراضيًا، يقلل الإحساس بالعزلة.
ثالثًا، الانخراط في أنشطة جماعية المشاركة في موائد إفطار خيرية أو أنشطة تطوعية تخلق شعورًا بالانتماء وتمنح معنى أعمق للتجربة الرمضانية.
رابعًا، تنظيم اليوم حيث أن الفراغ الطويل يزيد من التفكير السلبي لذا يُنصح بوضع جدول يومي يتضمن أوقاتًا للعبادة والرياضة الخفيفة والقراءة أو تعلم مهارة جديدة.
خامسًا، استثمار الجانب الروحي فرمضان هو فرصة للتأمل وإعادة ترتيب الأولويات تخصيص وقت للعبادة بهدوء قد يمنح شعورًا بالسكينة يعوض جزءًا من الفراغ الاجتماعي.
متى نطلب مساعدة متخصصة؟
شددت أخصائية الصحة النفسية على أهمية التفريق بين الوحدة العابرة والحزن الممتد الذي يؤثر على النوم أو الشهية أو القدرة على أداء المهام اليومية فإذا استمرت المشاعر السلبية لفترة طويلة أو تحولت إلى اكتئاب واضح، يُفضل استشارة مختص نفسي للحصول على دعم مهني.
الجانب الإيجابي للوحدة
رغم صعوبتها، قد تحمل الوحدة جانبًا إيجابيًا إذا أُحسن التعامل معها فبعض الأشخاص يكتشفون خلال فترات العزلة قدرات جديدة أو يعيدون تقييم علاقاتهم وأولوياتهم وتختتم شمندي حديثها قائلة إن رمضان ليس فقط شهر التجمع بل أيضًا شهر المصالحة مع الذات يمكن تحويل الوحدة من شعور مؤلم إلى مساحة للنمو الداخلي إذا تعاملنا معها بوعي وتعاطف مع أنفسنا.

