رغم الأجواء الروحانية التي يحملها شهر رمضان، إلا أن هناك ملاحظات تشير إلى زيادة الخلافات الزوجية بشكل ملحوظ خلال هذا الشهر. هذا التناقض يطرح تساؤلات مهمة حول السبب وراء ذلك، هل يعود إلى الصيام نفسه أم لطريقة التعامل مع الضغوط المرتبطة به.

في هذا السياق، يقول الدكتور محمد هاني، أخصائي الصحة النفسية واستشاري العلاقات الاجتماعية، إن المشكلة ليست مرتبطة بعامل واحد فقط، بل تتداخل فيها مجموعة من العوامل النفسية والفسيولوجية والاجتماعية، مما يجعل بعض الأزواج أكثر عرضة للاحتكاك وسوء الفهم خلال رمضان.

تأثيرات فسيولوجية على المزاج

الصيام يؤثر بشكل مباشر على الجسم، خاصة في الأيام الأولى من رمضان، حيث ينخفض مستوى السكر في الدم مما قد يؤدي إلى العصبية وسرعة الانفعال، كما قد يشعر البعض بالإرهاق أو الصداع. هذه التغيرات البيولوجية تؤثر على الحالة النفسية، مما يضعف القدرة على التحمل ويقلل من هامش الصبر.

أوضح الدكتور محمد هاني أن أنماط النوم تتغير بشكل واضح خلال رمضان، حيث السهر حتى وقت متأخر والاستيقاظ للسحور وأداء صلاة التراويح، مما يؤدي إلى قلة النوم أو اضطرابه. ومن المعروف أن الحرمان من النوم يؤثر على مراكز التحكم في الانفعالات داخل الدماغ، مما يجعل الشخص أكثر حساسية وأسرع غضبًا. هذا المزيج من الجوع والإرهاق وقلة النوم يجعل ردود الفعل أكثر حدة، خصوصًا في الساعات التي تسبق الإفطار، حيث يصل التوتر الجسدي إلى ذروته، وقد تتحول كلمة عابرة أو ملاحظة بسيطة إلى خلاف غير متوقع.

تضاعف الأعباء المنزلية

من الناحية الاجتماعية، تتضاعف المسؤوليات داخل المنزل خلال رمضان، حيث يتطلب إعداد الإفطار يوميًا وقتًا وجهدًا إضافيين، خاصة في البيوت التي تحرص على تنوع الأصناف أو استقبال الضيوف. في كثير من الأسر، تتحمل الزوجة النصيب الأكبر من هذه الأعباء، إلى جانب عملها خارج المنزل أو مسؤوليات رعاية الأطفال. ومع غياب توزيع عادل وواضح للأدوار، يتراكم الشعور بالإجهاد، وعندما لا يقابل هذا الجهد بتقدير صريح أو دعم عملي، قد يتولد إحساس بعدم الإنصاف، مما يجعل أي ملاحظة حول الطعام أو الترتيب شرارة محتملة لخلاف أعمق يرتبط بالشعور بعدم التقدير.

كما أن ضغط الميزانية في رمضان، بسبب زيادة المصروفات المتعلقة بالطعام والعزومات، قد يشكل عامل توتر إضافي بين الزوجين، خاصة إذا لم يكن هناك اتفاق مسبق على أولويات الإنفاق.

التوقعات المثالية وصدام الواقع

يدخل بعض الأزواج رمضان بتوقعات مرتفعة حول أجواء مثالية من الهدوء والانسجام والالتزام الديني المشترك، حيث يتخيل كل طرف أن الشهر سيكون خاليًا من المشكلات، وأن العلاقة ستتحسن تلقائيًا بمجرد دخول رمضان. لكن عندما يصطدم هذا التصور المثالي بواقع الضغوط اليومية والتعب، يشعر أحد الطرفين أو كلاهما بخيبة أمل، وهذه الفجوة بين التوقعات والواقع قد تولد إحباطًا ينعكس في صورة انتقاد أو لوم متبادل.

في علم النفس، تُعد التوقعات غير الواقعية من أبرز أسباب التوتر في العلاقات، لأنها تضع الطرف الآخر تحت ضغط غير معلن ليكون أفضل نسخة من نفسه طوال الوقت، وهو أمر يصعب تحقيقه في ظل الإرهاق الجسدي.

قلة الوقت للحوار الحقيقي

رغم كثرة التجمعات في رمضان، قد يقل الوقت المخصص للحوار العميق بين الزوجين، حيث ينشغل كل طرف بمهامه، ثم يأتي وقت الإفطار، وبعده زيارات أو عبادة أو متابعة برامج، لينتهي اليوم دون مساحة كافية للحديث الهادئ. غياب الحوار المنتظم يترك مجالًا لتراكم المشاعر الصغيرة غير المعبر عنها، والتي قد تنفجر لاحقًا في صورة خلاف يبدو مفاجئًا لكنه في الحقيقة نتيجة تراكمات.

استراتيجيات للحد من التوتر

للحد من الخلافات الزوجية في رمضان، يمكن اتباع بعض الخطوات العملية مثل تجنب مناقشة القضايا الحساسة قبل الإفطار مباشرة، حيث يكون مستوى التوتر مرتفعًا، وتوزيع المهام المنزلية بوضوح وعدل، مع مراعاة ظروف كل طرف، وتخصيص وقت للحوار الهادئ بعد الإفطار أو في عطلة نهاية الأسبوع، والحرص على الحصول على ساعات نوم كافية قدر الإمكان، حتى لو تطلب الأمر تقليل بعض الأنشطة، بالإضافة إلى التعبير عن التقدير بشكل صريح، فالكلمة الطيبة تخفف كثيرًا من الضغط.