تواجه الزراعة الحديثة تحديات كبيرة تتعلق بكيفية استخدام المياه والأسمدة والمبيدات بشكل فعال، فالتطبيق غير المدروس لهذه المدخلات يمكن أن يؤدي إلى هدر الموارد وزيادة التكاليف وتلوث البيئة، لذلك يعتبر مراقبة صحة التربة أمراً أساسياً لضمان إنتاجية زراعية جيدة واستدامة الموارد الطبيعية.

مستشعر لاسلكي لصحة التربة

في هذا الإطار، ابتكر فريق من جامعة بيردو الأميركية نظاماً يسمى “HARVEST”، وهو مستشعر لاسلكي يشبه المسمار، يمكنه مراقبة التربة تحت السطح بدقة حيث تصل جذور النباتات إلى الماء والعناصر الغذائية، هذا الابتكار يقدم بيانات فورية وشاملة عن حالة التربة، مما يساعد المزارعين على اتخاذ قرارات مبنية على معلومات دقيقة حول وقت ومكان استخدام المدخلات الزراعية، كما أظهرت النتائج المنشورة في 10 فبراير 2026 في دورية «Nature Communications».

يهدف هذا النظام إلى تلبية حاجة ملحة في الزراعة العالمية، وهي الاستخدام الفعال للمياه والأسمدة والمبيدات، حيث أن تباين خصائص التربة في الحقول الواسعة يعني أن تطبيق كميات موحدة من هذه المدخلات يمكن أن يؤدي إلى هدر كبير، مما يزيد التكاليف ويؤثر سلباً على البيئة عند تسرب الفائض إلى مصادر المياه، وقد تم اختبار التقنية الجديدة في حقل ذرة تجريبي بمركز بيردو للبحوث الزراعية خلال موسم نمو كامل، وصُممت لتكون فعالة من حيث التكلفة وقابلة للتوسع، مما يجعلها متاحة لكافة المزارعين.

المستشعر اللاسلكي يوفر مراقبة دقيقة للمعايير الأساسية للتربة تحت السطح، متجاوزاً القيود التقليدية، ويقدم طريقة مبتكرة لتقييم صحة التربة، وقد قام الفريق بتقديم ابتكاراته إلى مكتب بيردو للابتكار ونقل التقنية، الذي بدأ بتقديم براءات لحماية الملكية الفكرية، حيث يقول الدكتور رحيم رحيمي، أستاذ المواد الهندسية والباحث الرئيسي للدراسة، إن المستشعر يختلف عن الطرق التقليدية لمراقبة التربة لأنه يتيح رصد الظروف تحت السطح بشكل لاسلكي وعلى نطاق واسع، دون الحاجة إلى إلكترونيات مدمجة داخل الجهاز.

ويضيف رحيمي أن نظامهم يقيس الظروف تحت السطح على عمق يتراوح بين 6 و8 بوصات، حيث تصل جذور النباتات إلى الماء والعناصر الغذائية، مما يوفر معلومات دقيقة حول توزيع الرطوبة والملوحة في منطقة الجذور، حيث أن التغيرات في هذه العوامل غالباً ما تسبق ظهور أي أعراض على النباتات، مما يسمح للمزارعين باتخاذ قرارات مبنية على البيانات بشأن الري والتسميد في الوقت المناسب، مما يساعد على تجنب الإفراط في استخدام المدخلات وتقليل التكاليف، بالإضافة إلى حماية البيئة من تلوث المياه وتدهور الموارد الطبيعية.

هذا الابتكار يسهم في تحسين إنتاجية المحاصيل وتقليل التكاليف التشغيلية وتعزيز ممارسات الزراعة المستدامة، مما يدعم إنتاجاً غذائياً أكثر كفاءة ويعزز الأمن الغذائي العالمي، فالمراقبة الدقيقة تسمح باستراتيجيات ري وتسميد أكثر دقة وفاعلية مع مراعاة الاعتبارات البيئية.

تقنيات متقدمة

على نطاق أوسع، يشهد مجال الزراعة تحولاً كبيراً من خلال دمج الابتكارات والتقنيات المتقدمة مثل إنترنت الأشياء والاستشعار عن بعد والذكاء الاصطناعي وصور الأقمار الاصطناعية وتحليلات البيانات الضخمة، هذه التقنيات تتيح مراقبة صحة التربة في الوقت الفعلي وتحسين استخدام الموارد، بالإضافة إلى جمع بيانات آنية عن الحقول وتوجيه القرارات المتعلقة بالري والتسميد ومكافحة الآفات، مما يعزز الإنتاجية الزراعية بشكل عام.

يشير باحثون من جامعة فلوريدا الزراعية إلى أن تقنيات الزراعة الذكية تمكّن المزارعين من اتخاذ قرارات قائمة على البيانات عبر تحليل خصائص التربة مثل مستويات الرطوبة ومحتوى العناصر الغذائية والنشاط الميكروبي، مما يسهم في تعزيز الإنتاجية وتحقيق الاستدامة، كما أفاد باحثون من جامعة جيلين الزراعية في الصين بأن الاستخدام المنظم لهذه التقنيات يمكن أن يقلل استهلاك المياه بنسبة تتراوح بين 25 و40 في المئة ويخفض استخدام المبيدات بنسبة 30 إلى 50 في المئة، ويسهم في تحسين الكربون العضوي في التربة والتنوع الحيوي.

لكن الباحثين يؤكدون أن مستقبل الزراعة الذكية يعتمد على تحسين تكامل البيانات وتوحيد المعايير وخفض التكاليف، خصوصاً في الأنظمة الزراعية منخفضة الموارد، مما يعزز الأمن الغذائي والاستدامة على المدى الطويل، كما يشيرون إلى أهمية الانتقال من القياسات التقليدية للتربة إلى أنظمة استشعار ذكية متكاملة، قادرة على جمع بيانات عالية الدقة حول صحة التربة، مع تحسين دقة قياس الرطوبة والعناصر الغذائية ودرجة الحموضة ودرجة الحرارة، وخفض التكاليف وتعزيز قابلية الاستخدام الميداني.

ورغم التقدم الكبير في هذه التقنيات، ينبه الباحثون إلى وجود تحديات رئيسية قد تعوق تطبيق هذه التقنيات على نطاق واسع، تتعلق بارتفاع التكلفة وضعف البنية التحتية الرقمية في المناطق النائية، ويخلص الباحثون إلى أن مستقبل مراقبة صحة التربة يعتمد على تطوير مستشعرات ذكية منخفضة التكلفة مدعومة بالتعلم الآلي ونماذج معايرة شاملة تناسب الجميع، مما يسهم في إدارة مستدامة للتربة وتعزيز الأمن الغذائي العالمي.