في لحظة مميزة تجمع بين جمال كرة القدم العالمية وعمق الثقافة السعودية، أطل الأسطورة البرتغالية كريستيانو رونالدو بشكل ملفت خلال احتفالات المملكة بـ”يوم التأسيس” لعام 2026، حيث ارتدى بشت “المعلّمي” الحساوي، وهو أحد أندر وأفخم أنواع المشالح العربية، مما أضاف عمقًا تاريخيًا وثقافيًا لتلك المناسبة.

لم يكن ظهور رونالدو بالزي التقليدي مجرد مشاركة عابرة، بل كان له دلالات أعمق تعكس إرثًا تاريخيًا يمتد لعقود. فبشت “المعلّمي” يمثل قمة صناعة البشوت في الأحساء، ويرتبط بذكريات سياسية وتاريخية، حيث ارتداه الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود خلال رحلته الشهيرة إلى بريطانيا قبل أكثر من مئة عام، ليصبح رمزًا للهيبة والتمثيل السيادي.

تاريخ البشت ورمزيته

مع مرور الزمن، تحول بشت “المعلّمي” من مجرد رداء فاخر إلى أيقونة تعكس الهوية الوطنية، إذ ارتبط بالمناسبات الرسمية والشخصيات القيادية. هذه الرمزية جعلت من إطلالة رونالدو أكثر من مجرد احتفاء، بل جسدت جسرًا ثقافيًا يربط بين شهرة الملاعب العالمية والتقاليد السعودية العريقة.

من الناحية الفنية، يتميز بشت “المعلّمي” بتعقيد هندسي فريد يجعله ملك الحياكة اليدوية في المنطقة، حيث تغطي النقوش الذهبية الكثيفة منطقة الظهر والأكتاف، بينما يقتصر تطريز البشت التقليدي غالبًا على الحواف. تعتمد صناعته على مهارة نادرة في دمج خيوط “الزري” الذهبية مع الوبر الطبيعي، مما يتطلب دقة وخبرة طويلة وصبرًا استثنائيًا.

تحفة فنية ذات قيمة عالية

تتجاوز تكلفة بشت “المعلّمي” 80 ألف ريال سعودي، وهو ما يعكس مكانته الفنية وندرة الحرفيين القادرين على إتقان هذه التقنية المعقدة، ويستغرق إنجاز البشت الواحد أسابيع من العمل اليدوي المتواصل، مما يجعله أشبه بتحفة فنية بدلاً من كونه رداء تقليدي يُرتدى في المناسبات.

اختيار رونالدو للون الأبيض الفاخر المصنوع من وبر يدوي منسوج بخيوط “الزري” من النخب الأول، أضاف لمسة من الرقي والرمزية، ليبدو المشهد وكأنه وثيقة بصرية تجسد عمق التأسيس واستمرارية الهوية، وحين يتوشح أحد أبرز نجوم العالم بما يُعرف بـ”تاج البشوت”، فإن الرسالة تتجاوز مجرد الاحتفال بالمناسبة لتصل إلى تدويل التراث الثقافي للمملكة.

تأثير رونالدو على التراث السعودي

إطلالة رونالدو في “يوم التأسيس” لم تكن مجرد صورة عابرة على منصات التواصل، بل أسهمت في تسليط الضوء عالميًا على الحرفة اليدوية لمدينة الأحساء، وأعادت تقديم بشت “المعلّمي” كرمز ثقافي يتجاوز الجغرافيا، فحضور شخصية رياضية بهذا الثقل العالمي مرتديًا أحد أندر رموز التراث السعودي، يعزز مكانة الصناعات التقليدية في المشهد الثقافي الدولي، ويمنحها منصة انتشار غير مسبوقة.

هكذا، بدت اللحظة كأنها تلاقي بين زمنين: زمن التأسيس الذي صاغ هوية الدولة وزمن العولمة الذي تُصاغ فيه الصورة عبر نجوم عالميين، وبينهما وقف “المعلّمي” شاهدًا على أن التراث حين يُصان بإتقان، يصبح قادرًا على مخاطبة العالم بلغة الجمال والهيبة