تعود أصول الاستقرار في وسط الجزيرة العربية إلى عصور قديمة حيث استقرت قبيلة بني حنيفة في وادي حنيفة منذ حوالي عام 430 ميلادي، واختارت حجر اليمامة كمقر لها مما جعل المنطقة واحدة من الحواضر المهمة في ذلك الوقت، ومع مرور الزمن شهدت المنطقة فترات من التفرق وعدم الاستقرار إلى أن تأسست الدرعية على يد الأمير مانع بن ربيعة المريدي في عام 850 هـ/1446 م، لتصبح نواة عمرانية وتجارية مهمة، مستفيدة من موقعها على طرق التجارة بين شمال وجنوب الجزيرة العربية.

تأسيس الدرعية

بُنيت الدرعية على ضفتي وادي حنيفة، حيث كان حي “غصيبة” هو النواة للمدينة، وشكَّلت “فيضة المليبيد” منطقة زراعية خصبة، مما ساهم في نموها السكاني والاقتصادي، وأدى ذلك إلى ظهور كيان سياسي أكثر استقرارًا. في عام 1139 هـ/1727 م، أسس الإمام محمد بن سعود الدولة السعودية الأولى وجعل الدرعية عاصمتها، فكانت نقطة تحول سياسية وحضارية في تاريخ المنطقة، وعمل على توحيد شطري الدرعية وتنظيم شؤونها الداخلية وتقوية مجتمعها وتأمين طرق الحج والتجارة، كما قام ببناء أحياء جديدة مثل الطرفية في سمحان وتنظيم الموارد الاقتصادية للدولة، مما ساهم في ترسيخ الأمن والاستقرار السياسي.

الحياة الثقافية والاجتماعية في الدرعية

خلال تلك الفترة، عُرفت الدرعية كمركز للعلم والتجارة والحياة الاجتماعية، حيث استقطبت العلماء وطلبة العلم والتجار، وازدهرت فيها حركة التأليف والتعليم، وظهرت مدرسة للخط والنسخ التي أخرجت عددًا من النساخ والخطاطين، كما كانت هناك حلقات تعليم نسائية في البيوت، وأسهمت المجالس العلمية في تشكيل حراك ثقافي نشط يعكس اهتمام المجتمع بالمعرفة. كانت المدينة منفتحة على الجميع، حيث كانت سياستها قائمة على الترحيب بالآخر، مما جعلها وجهة للناس من جميع أنحاء الجزيرة العربية وخارجها، وهذا الأمر ساهم في تكوين مجتمع متنوع ومتجانس.

الازدهار العمراني والتجاري

شهدت الدرعية ازدهارًا عمرانيًا لافتًا، حيث انتشرت أحياؤها مثل الطرفية وسمحان والبجيري والسهل والقصيرين، وأحاط بالمدينة سور يمتد لنحو 13 كيلومترًا، وبرزت معالم معمارية مثل قصر سلوى ومسجد الطريف، اللذين تميزا بضخامة البناء وجمال التصميم، حيث بلغ ارتفاع قصر سلوى بين 22 و23 مترًا، في طراز عمراني يعد من أبرز نماذج العمارة الطينية في الجزيرة العربية. اعتمد البناء في تلك المرحلة على الطين واللبن والحجارة وجذوع النخل، وزُينت بعناصر زخرفية كالحقاف والزرانيق، كما راعت التصاميم الخصوصية الأسرية واتجاهات الرياح والضوء، وغالبًا ما كانت البيوت تتكون من طابقين وتعددت استخداماتها بين السكن والتخزين وإيواء الماشية، واحتوت بعض المنازل على آبار ومجالس خاصة بالضيوف مما يعكس مستوى من التنظيم الاجتماعي والمعيشي المتقدم، وتولى مهنيون متخصصون يعرفون بالأساتذة الإشراف على أعمال البناء والحرف.

التعليم والثقافة

في الجانب الثقافي والاجتماعي، انتشرت حلقات العلم والمدارس، حتى بلغ عددها في حي البجيري وحده نحو 30 مدرسة، بالإضافة إلى مبنى تعليمي يستوعب طلبة العلم ويوفر لهم السكن والإعاشة، وبرزت فنون شعبية متوارثة مثل العرضة والسامري والهجيني، كما عُرفت مهنة الراوي في نقل الأخبار والتاريخ شفهيًا، وشكَّلت “نخوة العوجا” رمزًا للانتماء والفخر. ومن مظاهر التكافل الاجتماعي آنذاك “سبالة موضي”، وهو وقف شهير أسسه الإمام عبدالعزيز بن محمد، وهو عبارة عن مبنى من طابقين يقوم مقام المسكن المجاني لاستضافة التجار والزوار وطلبة العلم وتقديم المأوى والخدمات لهم، بالإضافة إلى إسطبلات لإيواء دواب قوافل التجار، ومسجد، مما يجسد منظومة اجتماعية متكاملة.

الحركة التجارية والأسواق

ازدهرت الأسواق، وفي مقدمتها سوق الموسم بين الطريف والبجيري، حيث تنوعت السلع بين الأقمشة والسيوف ومنتجات الصياغة والإبل، كما تم تخصيص سوق للنساء، وأسهمت الحركة التجارية، إلى جانب الزراعة والحرف، في تنويع مصادر الدخل وتحسين مستوى المعيشة، وكان هناك حمى للإبل قرب الدرعية تُجمع فيه الإبل التائهة حفاظًا عليها حتى يجدها أصحابها، وإن لم يبحث عنها أحد، تبقى في الحمى وتتكاثر وتخدم المجتمع بشكل عام.

الدرعية اليوم

ما تزال الدرعية اليوم تحتضن معالم أثرية بارزة، من بينها حي غصيبة التاريخي وسمحان والبجيري ووادي حنيفة، إضافة إلى حي الطريف المسجل في قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، بوصفه أحد أكبر الأحياء الطينية في العالم، مما يجعله شاهدًا حيًا على مرحلة التأسيس وبدايات الدولة السعودية. واعتزازًا بهذه الجذور التاريخية، صدر الأمر الملكي الكريم بتاريخ 24 جمادى الآخرة 1443 هـ الموافق 27 يناير 2022 م بأن يكون يوم 22 فبراير من كل عام يومًا للاحتفال بذكرى تأسيس الدولة السعودية باسم “يوم التأسيس”، تخليدًا لانطلاق الدولة السعودية واستحضارًا لمسيرة ثلاثة قرون من الوحدة والإنجاز.