أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب مؤخرًا كتابًا بعنوان “نظام الاستخبارات والتجسس في العصر المملوكي” تأليف الدكتورة نيللي يسري شلبي، وهو عمل علمي يركز على جانب مهم من تاريخ الدولة المملوكية، حيث يسلط الضوء على الدور الحيوي الذي لعبه نظام الاستخبارات في اتخاذ القرارات السياسية والعسكرية خلال الفترة من 648 هـ/1250م حتى 923 هـ/1517م.
الفكرة الأساسية التي ينطلق منها الكتاب هي أن الإنسان دائمًا يسعى للحصول على المعرفة والمعلومات، وهذا كان ضروريًا للبقاء وتحقيق الاستقرار، وبالتالي اعتمدت الدول عبر العصور على أنظمة دقيقة لجمع الأخبار وتحليلها سواء في أوقات السلم أو الحرب، مما يجعل دراسة نظام الاستخبارات والتجسس في العصر المملوكي أمرًا بالغ الأهمية، لأنه كان له تأثير كبير على استقرار الدولة وانتصاراتها العسكرية.
يتناول الكتاب لحظات مفصلية في التاريخ المملوكي، بدءًا من تولي المماليك الحكم بعد صد الحملة الصليبية السابعة عام 648 هـ/1250م، مرورًا بالانتصار في معركة عين جالوت عام 658 هـ/1260م ضد المغول، وصولًا إلى نهاية الدولة على يد العثمانيين عام 923 هـ/1517م، حيث يؤكد الكتاب أن هذه الانتصارات لم تكن فقط نتيجة للقوة العسكرية، بل كانت مرتبطة أيضًا بفاعلية جهاز الاستخبارات وقدرته على جمع المعلومات الدقيقة عن الأعداء وتحركاتهم.
يتكون الكتاب من مقدمة وتمهيد وأربعة فصول وخاتمة، حيث تتناول المقدمة أهمية الاستخبارات والتجسس في الحصول على المعلومات وتأثيرهما على توجيه السياسات العامة للدولة، أما الفصل التمهيدي فيعرض لمفهوم الاستخبارات والتجسس قبل العصر المملوكي، موضحًا نشأتهما وتطورهما عبر العصور، مما يساعد على فهم الإطار التاريخي الذي انبثق منه النظام في الدولة المملوكية.
يركز الفصل الأول على الجهاز الإداري لنظام الاستخبارات والتجسس في العصر المملوكي، مستعرضًا دور ديوان الإنشاء وأصوله ومهامه، بالإضافة إلى الصفات التي كان يجب أن تتوفر في رجال الاستخبارات مثل الكتمان والذكاء والقدرة على التحليل وتحمل المشاق.
أما الفصل الثاني فيتناول الجواسيس وطرق جمع المعلومات، موضحًا أهمية الاستخبارات المباشرة وغير المباشرة ووسائل جمع الأخبار خلال أوقات الحرب عبر الجيش والأسطول، وكذلك في أوقات السلم من خلال نظم البريد وغيرها من القنوات التي ضمنت تدفق المعلومات إلى مركز القرار، مما ساعد في حماية الدولة وتعزيز مكانتها.
الفصل الثالث يتناول دور نظام الاستخبارات في مواجهة الأخطار الخارجية التي تعرضت لها الدولة المملوكية، سواء من الصليبيين أو المغول أو العثمانيين، مستعرضًا أمثلة من معارك مفصلية أثبتت أهمية المعلومات المسبقة في ترجيح كفة المماليك، كما يتطرق إلى دور الاستخبارات في دعم الحياة الاقتصادية من خلال متابعة الأسواق وحركة التجارة وتأمين الطرق.
يختتم الكتاب بفصل رابع يتناول مواجهة الدولة للجواسيس، حيث يستعرض الإجراءات الوقائية التي اتبعتها الدولة لحماية أمنها الداخلي والعقوبات التي فرضتها على الجواسيس، والتي تنوعت بين عقوبات جسدية ونفسية ومعنوية، في إطار سعي الدولة لترسيخ هيبتها ومنع الاختراقات الأمنية.
جدير بالذكر أن الكتاب كان في الأصل رسالة ماجستير نوقشت بكلية الآداب – قسم التاريخ الإسلامي – بجامعة عين شمس تحت إشراف الأستاذ الدكتور فتحي عبد الفتاح أبوسيف والأستاذة الدكتورة محاسن محمد علي الوقاد، قبل أن يصدر في صورة كتاب ضمن جهود الهيئة لإتاحة الدراسات الأكاديمية الرصينة للقارئ العام والباحثين، وإبراز جوانب جديدة من تاريخ مصر الوسيط.

