أكد الدكتور عبد الرحيم ريحان خبير الآثار وعضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة أن سيناء مليئة بالنقوش والرسومات الصخرية التي تعود لعصور ما قبل التاريخ، حيث تحتوي على رسومات رمزية وحيوانات، وأحدث هذه الاكتشافات كانت في هضبة أم عراك بمنطقة سرابيط الخادم، وقد أرخها الدكتور خالد سعد مدير عام آثار ما قبل التاريخ بوزارة السياحة والآثار إلى الفترة ما بين 5500 إلى 4500 قبل الميلاد، كما تضم الكتابة السينائية الشهيرة في نفس المنطقة، وهي أقدم كتابة في العالم وتعرف بالأبجدية السينائية المبكرة التي تعود للقرنين 20 و18 قبل الميلاد، ثم انتقلت إلى فلسطين وأصبحت تُعرف بالأبجدية الكنعانية في الفترة ما بين القرنين 17 و15 قبل الميلاد، وبهذا انتقلت إلى الأرض الفينيقية.
تحتوي سيناء أيضًا على كتابات ورسومات للأنباط، مما يثبت وجودهم في المنطقة، حيث تركوا بصمات معمارية وفنية واضحة في عدة مواقع، مثل وادي المكتب قرب وادي فيران، ووادي طويبة قرب طابا، وهضبة الدفادف بين نويبع ودهب، وهذه النقوش تعود للفترة من القرن الأول قبل الميلاد وحتى عام 106 ميلادي، وهو تاريخ نهاية مملكة الأنباط.
إلى جانب ذلك، نجد كتابات يونانية قديمة تركها الحجاج المسيحيون في طريقهم إلى جبل الشريعة، وكتابات أرمينية على هضبة حجاج قرب دير سانت كاترين، كما توجد كتابات عربية تعود للحضارة الإسلامية، وأشهرها بجبل الناقوس في طور سيناء.
مشروع وطنى لتوثيق هذه النقوش ودراستها
لهذا السبب، تطالب حملة الدفاع عن الحضارة المصرية برئاسة الدكتور عبد الرحيم ريحان بإنشاء مشروع وطني لتوثيق هذه النقوش ودراستها بشكل علمي، بما في ذلك تأريخها ورقمنتها لتكون متاحة للباحثين محليًا وإقليميًا ودوليًا، تمهيدًا لإعداد ملف لتسجيلها كتراث عالمي ثقافي في اليونسكو، حيث كان آخر موقع ثقافي تم تسجيله هو منطقة سانت كاترين في عام 2002.
ويشير الدكتور ريحان إلى أن هذا المشروع يحتاج إلى مركز كمقر له في سيناء، حيث يوجد مبنى نموذجي في منطقة سرابيط الخادم، بالإضافة إلى مبنى المركز العلمي للترميم ومقر البعثة اليابانية في طور سيناء، وهذان المبنيان غير مستغلين حتى الآن، مما يجعلهما مناسبين ليكونا مقرًا للمشروع الوطني والبعثات التي ستعمل فيه.
أما عن التمويل، فيمكن تخصيص مبلغ من ميزانية تنمية سيناء، والتي تخصص سنويًا بالملايين لأعمال التنقيب الأثري، على أن يكون المركز تحت إشراف قطاع حفظ وتسجيل الآثار بالمجلس الأعلى للآثار، بالتعاون مع كافة القطاعات، كما يجب أن يشارك في هذا العمل علماء من مصر والدول العربية، خاصة مع وجود النقوش النبطية المنتشرة في مصر والأردن والسعودية، حيث يوجد علماء متخصصون في قراءة ودراسة هذه النقوش.
الدكتور محمد عبد المقصود، الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار، أشار إلى أن إنشاء هذا المركز يعد ضرورة قومية خاصة في سيناء، فقد قام العديد من الرحالة والباحثين منذ القرن التاسع عشر بزيارة جبال جنوب سيناء وكشفوا عن آلاف النقوش والرسوم، خاصة النقوش النبطية في وادي المكتب، حيث بلغ عدد النقوش المكتشفة في القرن التاسع عشر 2772 نقشًا، ثم أضيف إليها أثناء الاحتلال الإسرائيلي عدد آخر ليصل الإجمالي إلى 3950 نقشًا.
ولم يقتصر الأمر على النقوش النبطية فقط، بل أضيفت أيضًا العديد من النقوش والكتابات الأخرى مثل القبطية واليونانية واللاتينية والمصرية القديمة والسينائية والعربية والآرامية والأرمينية، بالإضافة إلى كتابات أخرى.
الدكتور محمد عبد المقصود، الذي كان له دور رئيسي في استعادة بعض آثار سيناء التي نهبتها إسرائيل أثناء الاحتلال، أشار إلى أن الاحتلال لم يكتف بنهب الآثار، بل جمع فريق إسرائيلي حوالي 8500 نقش، وتم إصدار موسوعة علمية من ثلاثة أجزاء تحت عنوان “Rock Inscriptions and Graffiti Project” في عام 1992، بالإضافة إلى إطلاق موقع إلكتروني لتقديم المعلومات والصور عن النقوش.
ختامًا، ناشد الدكتور ريحان وزير السياحة والآثار بعمل بروتوكول تعاون مع المجلس العربي للاتحاد العام للآثاريين العرب لوضع خطة لتنفيذ هذا المشروع الوطني، الذي يُعتبر إنجازًا ثقافيًا كبيرًا على غرار المتحف المصري الكبير، مما سيساهم في توثيق الروابط الحضارية بين مصر وأشقائها العرب، ويحول سيناء إلى متحف مفتوح للنقوش والرسومات الصخرية، مما يضيف عنصرًا سياحيًا جديدًا في المنطقة.
في فبراير 2019، قام التلفزيون الإنجليزي بتصوير فيلم بمعبد سرابيط الخادم بعنوان “بداية الكتابة”، حيث أخرج الفيلم مخرج إنجليزي ومصور فرنسي ومهندسة صوت ألمانية، وتم بثه على التلفزيون الفرنسي والإنجليزي، وهو يعد دعاية كبيرة للكتابة السينائية، وشارك في الفيلم المؤرخ والآثاري الشهير بيير تاليه، الذي اكتشف برديات مهمة في وادي الجرف عام 2013، مما يعكس القدرة العالية للجهاز الإداري في عهد الملك خوفو.

