يسعى مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء إلى تعزيز الوعي المجتمعي وتوفير المعرفة حول قضايا التنمية المختلفة، حيث يكتب المركز بشكل دوري مقالات لعدد من المسؤولين والخبراء في مجالات متنوعة تتعلق بالشأن المصري على الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية، وفي هذا الإطار، نشر المركز مقالًا للأستاذ الدكتور محمود محي الدين، المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل التنمية المستدامة وأستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، في العدد السادس من إصدارة المركز الدورية “آفاق مستقبلية”، وكان عنوان المقال “مستقبل الاقتصاد العالمي: دروب في رحلة البحث عن نظام جديد”
تحليل مستقبل الاقتصاد العالمي
في مقاله، أشار الدكتور محمود محي الدين إلى أن تقارير المؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أظهرت أن الاقتصاد العالمي أثبت قدرته على الصمود أمام حالة عدم اليقين ومشكلات التجارة الدولية نتيجة لإجراءات التعريفة الجمركية التي تتبناها الإدارة الأمريكية الحالية، ومن المتوقع أن ينمو الاقتصاد العالمي بمعدل 3.3%، وهو ما يمثل زيادة قدرها 0.2 نقطة مئوية عن تقديرات سابقة، ويعود هذا التحسن بشكل أساسي إلى الولايات المتحدة والصين.
كما أوضح صندوق النقد الدولي أن هذا التحسن ناتج عن إجراءات التحفيز المالي، والقدرة الجيدة للقطاع الخاص على التعامل مع تحديات التجارة، بالإضافة إلى تحسن السياسات العامة في البلدان ذات الأسواق الناشئة، ورغم تراجع النمو في قطاع الصناعات التحويلية في الدول الغنية، إلا أن الاستثمار في تكنولوجيا المعلومات شهد زيادة ملحوظة، خاصة في الولايات المتحدة، مع تأثير إيجابي من الصادرات التكنولوجية الآسيوية.
ورغم أن البنك الدولي وصف الاقتصاد العالمي بأنه يمتلك قدرة مفاجئة على الصمود، إلا أن توقعاته للنمو كانت أقل من صندوق النقد الدولي، حيث لم يتجاوز معدل النمو المتوقع 2.6%، ويعزى ذلك إلى تراجع العوامل التي ساعدت على الصمود، مما يعني أن قدرة الشركات على تخزين المخزون لمواجهة الصدمات التجارية ستنخفض، مما قد يؤدي إلى تأثيرات سلبية نتيجة التعريفات الجمركية المرتفعة، ومع تباين الأداء بين الأقاليم الاقتصادية، فإن المخاطر التي تهدد مستقبل الاقتصاد العالمي في الأجل القصير قد تؤدي إلى انخفاض في معدلات النمو.
التحديات الاقتصادية العالمية
وأشار محي الدين إلى أن تقرير آفاق الاقتصاد العالمي للبنك الدولي يربط ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي العالمي بتأثير الذكاء الاصطناعي على الأنشطة الاقتصادية، وهو ما لا توجد مؤشرات تدل على حدوثه في الوقت الراهن، حيث يدعو البنك الدولي صناع القرار إلى تحسين مناخ التجارة الدولية وتقليل قيود التمويل ومواجهة مخاطر تغير المناخ، لكن لا توجد إشارات تدل على استجابة فعالة لهذه الدعوات.
في ظل هذه الظروف، فإن أداء الاقتصاد العالمي لا يدعم تحقيق أهداف التنمية المستدامة التي تتطلب تحقيق تقدم ملموس بحلول عام 2030، حيث تراجعت معدلات النمو منذ عام 2020، مما يجعل من الصعب تقليل مستويات الفقر أو زيادة فرص العمل المناسبة، فالنمو الحالي لا يكفي لتخفيض الفقر المدقع كما حدث في فترات سابقة، حيث كان هناك انتشال لملايين الأشخاص من الفقر خلال فترات النمو المرتفع.
الفجوة الاقتصادية بين الدول
ووفقًا للبنك الدولي، فإن أكثر من نصف معدلات النمو المسجلة منذ الجائحة تعود إلى أداء الدول الغنية، حيث من المتوقع أن يصل متوسط دخل الفرد في البلدان النامية إلى 6500 دولار بحلول نهاية عام 2026، وهو ما يمثل 12% فقط من متوسط دخل الدول المتقدمة، بينما يبلغ متوسط دخل الفرد في الدول الأقل دخلًا 700 دولار، وهو أقل من 1% من متوسطات الدخل في الدول المتقدمة.
وفي مقاله، دعا الدكتور محمود محي الدين إلى ضرورة الاستعداد لمواجهة المخاطر المحتملة من خلال سياسات مدروسة، مشيرًا إلى أهمية التقارير التي تعدها مؤسسات مختلفة والتي تقدم رؤى حول المستقبل، ومن بين هذه التقارير تقرير “أكسا” للتأمين، ومجلة “فورين بوليسي”، ومجموعة “يوراسيا”، بالإضافة إلى تقرير “المنتدى الاقتصادي العالمي” الذي يسلط الضوء على المخاطر الجيوسياسية والجيواقتصادية المتزايدة، مما ينذر بعالم أكثر اضطرابًا.
التعاون الإقليمي كحل
كما أشار محي الدين إلى أن منطقتنا تواجه مخاطر متعددة، ومن أهمها أمن المياه والطاقة، خاصة في ظل تغيرات المناخ والصراعات الجيوسياسية، ومع ذلك، يجب ألا نتجاهل أهمية التعاون الإقليمي بين الدول المجاورة، حيث يمكن أن يسهم في زيادة التجارة البينية والاستثمار، مما يساعد على مواجهة المخاطر العالمية.
في النهاية، يتطلب هذا “الواقع الجديد” اتباع نهج عملي يركز على توطين التنمية وتنسيق السياسات العامة، مع ضرورة تطوير الأداء الاقتصادي بما يتماشى مع أولويات التنافسية، وأكد المقال على أهمية الاستفادة من الزخم البشري والتركيبة السكانية الشبابية، بالإضافة إلى تعزيز البنية الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة، مما يستدعي جهودًا حثيثة لتحقيق الأهداف المنشودة.

