في ظل التحديات المناخية التي يواجهها العالم، يثير انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن تغيّر المناخ قلقًا كبيرًا حول مستقبل الجهود العالمية لمواجهة هذه الأزمة. هذا الانسحاب لا يحمل دلالات سياسية سلبية فحسب، بل له تأثيرات خطيرة على العدالة المناخية، خاصة على الدول النامية.

انسحاب الولايات المتحدة وتأثيراته

تُعتبر الولايات المتحدة واحدة من أكبر المساهمين في انبعاثات الغازات الدفيئة، وفي نفس الوقت تلعب دورًا رئيسيًا في تمويل الأبحاث والمبادرات المناخية. لذا، فإن انسحابها لا يمكن اعتباره مجرد قرار داخلي، بل هو ضربة قوية للتعاون الدولي، حيث أن تغيّر المناخ هو قضية تتجاوز الحدود ولا يمكن لدولة واحدة مواجهتها بمفردها.

هذا الانسحاب يضعف الثقة بين الدول، فالأساس الذي تقوم عليه الاتفاقيات المناخية يعتمد على الالتزام الجماعي، وعندما تتراجع دولة كبيرة، فإن ذلك قد يفتح المجال أمام دول أخرى للتراجع عن التزاماتها، مما يحول الاتفاقيات إلى مجرد نصوص بلا فائدة حقيقية. كما أن تقليص الدعم الأمريكي للهيئة المعنية بتغيّر المناخ قد يؤثر سلبًا على إنتاج المعرفة العلمية المستقلة، وهي أمر ضروري لوضع سياسات مناخية فعالة.

من ناحية العدالة المناخية، يُعتبر انسحاب الولايات المتحدة انتهاكًا لمبدأ “المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة”، الذي يعترف بأن الدول الصناعية تتحمل مسؤولية أكبر بسبب تاريخها الطويل في استخدام الوقود الأحفوري. وبالتالي، فإن تنصلها من هذه المسؤولية يعني تحميل الدول الفقيرة العبء الأكبر، رغم أنها الأقل تسببًا في المشكلة.

الدول النامية ستكون الأكثر تضررًا من هذا القرار، فهي تعتمد بشكل كبير على التمويل المناخي ونقل التكنولوجيا، وأي تراجع في الدعم الأمريكي سيؤدي إلى فجوات تمويلية كبيرة في مشاريع التكيف والتخفيف، خاصة في المناطق الأكثر عرضة لمخاطر تغيّر المناخ مثل إفريقيا وجنوب آسيا وأمريكا اللاتينية.

المصالح الاقتصادية قصيرة الأجل

الأمر الأكثر خطورة هو أن هذا الانسحاب يرسل رسالة مفادها أن المصالح الاقتصادية الفورية تتقدم على حق الشعوب في بيئة صحية وآمنة، وهذا يجعل الحديث عن التضامن الدولي بلا معنى، ويعزز مشاعر الظلم المناخي. وفي عالم يعاني من الفجوات وعدم الاستقرار، فإن تجاهل البعد الأخلاقي قد يؤدي إلى تداعيات تتجاوز البيئة إلى مجالات الأمن والتنمية والهجرة.

لكن لا يمكن إنكار أن النظام الدولي يمكنه التكيف جزئيًا مع غياب لاعب رئيسي، من خلال تعزيز أدوار الاتحاد الأوروبي والصين والدول النامية، بالإضافة إلى مبادرات المدن والشركات. لكن هذا التعويض يبقى غير كافٍ ولا يرقى إلى مستوى القيادة الجماعية المطلوبة لمواجهة أزمة بحجم تغيّر المناخ.

العمل المناخي يتطلب التزاماً طويل الأمد

رفض انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقيات المناخية ليس مجرد موقف سياسي، بل هو قراءة واقعية لمصالح البشرية جمعاء. العمل المناخي يحتاج إلى التزام طويل الأمد واحترام للعلم واعتراف بالمسؤولية التاريخية، وأي تراجع عن هذه المبادئ لا يؤثر فقط على النظام المناخي الدولي، بل يدفع ثمنه أولاً وأخيرًا الفئات والدول الأكثر ضعفًا، مما يؤجل الحلول في وقت لم يعد يحتمل التأجيل.