أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب كتابًا جديدًا بعنوان “الفكاهة والضحك (رؤية جديدة)” للدكتور شاكر عبد الحميد، يهدف الكتاب إلى إعادة النظر في مفهوم الضحك، حيث لا يُعتبر مجرد انفعال عابر، بل يُنظر إليه كظاهرة إنسانية وثقافية ونفسية عميقة تستحق الدراسة والتأمل.

الفكاهة تُعتبر واحدة من أبرز جوانب السلوك الإنساني، والضحك هو التعبير الجسدي عنها، وقد أشار الكاتب الفرنسي فرانسوا رابليه إلى أن الضحك هو ما يميز الإنسان، والفكاهة كوسيلة اجتماعية تهدف إلى إحداث الضحك أو الابتسامة، وتؤدي وظائف متعددة وتعتمد على أساليب وبُنى خاصة بها، كما أنها مرتبطة بسياقات اجتماعية معينة.

تاريخ الفكاهة طويل في الثقافة الإنسانية، وقد اهتم بها فلاسفة كبار مثل أفلاطون وأرسطو وكانط وشوبنهور وهوبز وبرجسون، كما تناولها أدباء ومفكرون مثل الجاحظ وبودلير وإليوت وإيكو، بالإضافة إلى اهتمام بعض علماء النفس ونقاد الأدب مثل ميخائيل باختين بدراسة أبعادها النفسية والاجتماعية والجمالية.

يشير علم النفس الحديث إلى أن الفكاهة والضحك تُعتبران من أهم أساليب المواجهة التي يعتمد عليها الإنسان للتغلب على آلامه النفسية، كما تمثلان أداة اجتماعية لمواجهة الأزمات السياسية والاقتصادية، وقد ظهرت في السنوات الأخيرة “أندية للضحك” في عدة دول، بالإضافة إلى اتجاهات جديدة مثل العلاج بالضحك، وعُقد أول مؤتمر عالمي للفكاهة والعلاج النفسي في مدينة بال السويسرية عام 1997.

عدد من الأطباء يؤكدون أن الضحك لا يخفف من الضغط النفسي فحسب، بل يساهم أيضًا في تنشيط الجهاز المناعي والحد من آثار الشيخوخة وتقليل احتمالات الإصابة بالأزمات القلبية، كما يحسن الحالة النفسية والجسدية مما يعزز التفاؤل والرغبة في الحياة والعمل.

الكتاب يطرح مجموعة من المبررات لدراسة هذا الموضوع، من أبرزها ضرورة التركيز على الجوانب الإيجابية في السلوك الإنساني وعدم الاقتصار على الظواهر السلبية، والحاجة إلى فهم علمي أعمق للفكاهة يتجاوز الطرائف السطحية نحو تحليل فلسفي ونفسي وأدبي شامل، كما يؤكد على الطبيعة البينية لهذا المجال حيث يتداخل مع الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والتاريخ والنقد الأدبي والفنون.

يسلط الكتاب الضوء أيضًا على البعد الاجتماعي للفكاهة، إذ تزدهر غالبًا في وجود الآخرين وفي أجواء من الأمن والطمأنينة، ويتوقف المؤلف عند مشهد أطفال فلسطين في بداية العام الدراسي 2002/2003، حيث كانت الابتسامة والضحكات، رغم الظروف الصعبة، شكلًا من أشكال المقاومة والأمل.

المؤلف يختتم بالتأكيد على أن كتابة كتاب جاد عن الضحك ليست مهمة سهلة، حيث يسعى لتحقيق توازن بين الصرامة العلمية وخفة الروح، ويعبر عن امتنانه للأصدقاء والباحثين العرب الذين ساهموا في هذا العمل، بالإضافة إلى دعم أسرته التي تحملت معه مشقة الكتابة.

هذا الإصدار يبرز أن الضحك ليس مجرد استجابة عابرة، بل هو فعل ثقافي وإنساني عميق يتقاطع مع التربية والسياسة والإبداع والفنون، ويعكس قدرة الإنسان على مقاومة الألم بالأمل.